الأغنية العراقية وإدمان الحزن
24 كانون الأول 2005
كثير منا من يتساءل . . . عن سبب هذا الحزن العميق المليء بالشجن الذي تتميز به الأغنية العراقية . . . فمنا منا من يعتقد أن الحزن هو الذي يعطي الأغنية هذه الكمية من الحب . . .منا من يقول أن تربيتنا العاطفية التي تربينا عليها هي نتاج سينما مصرية وسينما هندية .
منا من يربط هذا بأن يقول أننا أناس ندمن الحزن . .
والبعض يربط ذلك بالطبيعة العراقية . . التي أدمنت الحزن نتيجة ما حاق به من فظائع وأهوال على مر التاريخ
وأنا أميل إلى هذا الرأي ميلاً شديداً.
فالعراق منذ بدء التاريخ هو ارض خصبة للصراع والمشاكل والظلم . . . ووجوده على مفترق الطرق بين الغرب والشرق جعله دائما مسرحا للحروب الطويلة التي ذاق ويلاتها أبدا . . .
لقد كان العراق ساحة المعركة الدائمة بين الرومان والفرس وكان ساحة المعركة الدائمة أثناء الخلافة الراشدية
حيث أن وقوعه بين أرض الحجاز وبين أرض الفرس جعله دائما البوابة الشرقية للدولة الإسلامية .
حتى عندما أسلمت الفرس وأضحت الخلافة فيه وبدأت المشاكل المعروفة بين شيعة سيدنا علي وبين معاوية تعرض العراق دائما للحروب وعند الخلافة الأموية تعرض لأقصى درجات الاضطهاد من الحجاج وغيره . . وحتى هجوم التتار والمغول . . بل وحتى يومنا الحاضر . .
إن العراق كان دائما مطمعا للشعوب نظرا لطبيعة أرضه المليئة بالماء . . . الخيرة .
تتميز الأغنية العراقية بغنى مقاماتها وإيقاعاتها . . الكثيرة التنوع فضلا على وجود حزن وعواطف جياشة تظهر جليا في الكلمة الحزينة .
والطبيعة البكائية للكلمات . . جعلت الأغنية العراقية تصل فورا لقلب المستمع العربي الذي هو بالأساس شعب عاطفي جدا .
إن التقاء العراق بالحضارة (الأقصى شرقية ) . .والتقاءه بالحضارة السورية القديمة ( المليئة بالغناء الديني البيزنطي والسرياني ) . جعلته يتميز تميزا شديدا عن باقي الدول العربية من ناحية الموسيقا . . فالموسيقا الفارسية هي إحدى أعرق الموسيقات وأشدها تنوعا واحتكاكا بغيرها من الموسيقات ولعل البرامكة الذين أضحوا لفترة طويلة وزراء في العهد العباسي هم الذين أغنوا الموسيقى العراقية جدا فهم الذين أحضروا كبار الموسيقيين والفنانين والخطاطين والرسامين من أقصى الشرق إلى بغداد ، والحرية الذي منحوها للأدباء والشعراء والموسيقيين برضا من الخلفاء العباسيين جعلت بغداد منارة للفنون بل عاصمة الفنون بدون منازع ولفترة طويلة جدا .
وهناك أنواع كثيرة من القوالب الغنائية العراقية أذكر منها : الموال ، العتابا ، النائين ، النايل ، الغرباوي ، الحداء السويحلي وغيرها الكثير. . . ولنأخذ مثلا النايل الذي هو لون قديم جدا . .
وسبب تسميته أن هناك فتاة من بني عذره كانت تهوى فتى من قبيلتها أسمه نايل فقالت فيه :
نايل قتلني و نايل غير ألواني ونال بشوقه سقيم الروح خلاني
عادة ما يكون النايل حزينا جدا ومن البحر الشعري مجزوء الرمل حيث أن كل بيت فيه يختلف عن غيره في طريقة الرجز .
السؤال الذي يدور بأذهان الجميع . . . إلى متى يظل الغناء في العراق حزينا .



اعتقد ان الغناء العراقي هو الاكثر عذوبة بعد غناء القصائد ويكفي ان الغناء باللهجة العراقية هي الوحيدة التي يمكن ان تنافس الغناء المصري بل لقد وصلت بالفعل الى قلوب المستمع في مصر وهي ارض الغناء الاصيل.
فانظروا الى كاظم الساهر وهو يصول ويجول دون منافس على الساحة العربية.
السؤال الذي يدور بأذهان الجميع . . . إلى متى يظل الغناء في العراق حزينا .
مبين عليه …الى الابد