عن الجاز

17 ايلول 2004

ينظر إلى موسيقى الجاز ، على أنها البداية الحقيقية لتأسيس الموسيقي الحقيقي في تأريخ الولايات المتحدة ، إنها الجذور الأفريقية ، والتي تنحدر عن التوليفات الفردية غير المحترفة لبسطاء مزارعي الفترات المظلمة في أفريقيا والجنوب الأمريكي لاحقا ، غير أن التطور السريع في مديات الموسيقى الأمريكية حصرا ،
وحمل التراث الموسيقي على المعالجة ضمن تأريخ الآلة الموسيقية ، هو ما دفع بالزنوج إلى الإسراع في التكتل ضمن بوابات أميركا القارة الدولة ، أو القارة الأم الصناعية لهذا التلاقح القسري .

تعتمد موسيقى الجاز على الانسياب التام والتوافق الحر في عرض وإطالة الجمل الموسيقية اللحنية التي غالبا ما تكرر عبارات مبتكرة للالتفاف حول نمط لحني موحد ، ولموسيقى الجاز تاريخ يبدأ مع شجون إنسان الأمس وتلك القدرة العجيبة في إحالة الألم الإنساني إلى ممرات الآلة المؤدية ، وتؤدى موسيقى الجاز عادة بثلاث آلات كما في نمط الكونشرتو ، غير إن الغالب هو الجاز ( الدرامز أو آلة الطبول المتعددة ) بمعية ( الباص ) وكان الكونتر باص ولا يزال يؤدي النسق الاستدلالي للحن كما في الموسيقى العربية لتذهب آلات النفخ ( ساكسفون ، فلوت ، ترايومف ….) أو الكيتار أو البيانو ( الكيبورد ) لأداء الصولو المنفردة أو المزدوجة معا .

لقد قدمت المطربة فيروز وعبر تاريخ مشرف عددا من الأغاني ، كان يلاحظ سيادة شاعرية الأداء على جمال الصوت فيها. غير أن مجموعة الألحان التي قدمها زياد رحباني الابن – كانت متميزة بإبداعها الشامل ، الشرقي الغربي ، فعند أغنية ( عندي ولع فيك ) ، يلاحظ نمط الجاز في الإيقاع المقترب وبذكاء وتمازج من إيقاعي الرومبــا والجه جه ، مع العدول في الطفرات اللحنية العربية على مقام النهاوند المنفتح ( كما في المقطع – حبيتك مثل ما حدا حب …. ) وهنا يكون الختام مفتوحا على جمل أخرى مشابهة ، لتشدو بهالة لحنية ( بكتب شعر فيك ، بكتب نثر فيك … ) حيث يستمر النقر الاستدلالي مع التحليق لآلات الكمان والختم المدروس .. الذي يجعل الأذن الموسيقية محلقة رغم انتهاء الأغنية .

في لحن آخر يعود زياد رحباني إلى الإبداع في أغنية ( كيفك أنت ) حيث الصراع الخفي في إيقاعين متنافرين تماما ، أولاهما الإيقاع الشرقي في تأدية الكوبليه الأساسي للأغنية ( كيفك أنت .. ملا أنت ) ، وإيقاع السلو روك Slow Rock حيث العمل على سحب زمن الإيقاع الغربي ووضعه في قالب الإيقاع الشرقي ، وهو عمل ذات حرفة وجمالية تجعل من الكلمات حقولا ممتدة في الذاكرة المتلقية ، وكما تبتدئ فيروز كل مقطع ( بتذكر آخر سهرة سهرتـــا عنا ) حيث يبدأ التغير في ( هيدي أمـــي … ) مع توشيح موسيقي أخاذ من آلة الباص كيتار المتخفية خلف الضربات الشرقية …. للإيقاع الراقص والحالم معا ، وهو ما يطلق عليه في الاصطلاح الفني : Slop Hit أي ضربة مفاجئة على غير نمطية الإيقاع المستمر .

وعند الذهاب إلى قمة الشاعرية تنفرد فيروز بأغنية غاية في التماثل اللحني والانقلاب الأدائي وتلك هي أغنية ( زعلي طول أنا وياك …) ــ حيث الابتعاد عن النمطية الأدائية ولحساب جمالية التتويج الصوتي ، حيث الصمت الذي نلمحه ولأول مرة ، وهو يؤدى على الآلة المطلقة الحلم والترجيع كما في بدايات المقاطع الحالمة ( لو جيت نهار عابيتي …….) حيث تستقبل الآلة بترجيعها الشبيه برنين موسيقى الزنوج في حي هارلم – هذا الوجع إلى عودة مفاجئة ( …… ما مرؤوا إلا إيديك …..) إنه السحر في تمازج قالب الجاز اللحني مع مياه الشاعرية الطافحة فيروز الأداء المتميز .

إن تجربة الجاز المتقدمة الوصف ، وقدرة الملحن زياد رحباني على تطويع المقامات العربية كمقام ( الكورد ) و ( والنهاوند ) و ( البيات بغير الربع الشرقي ) لهي تأكيد على ثقافة الملحن في الاستماع ، وعدم اقترابه من التغريب الملاحظ في أغاني الموجات الحديثة ، حيث أكمل زياد الصورة اللحنية الشرقية الخالصة وبإسهام إبداعي ليته يتواصل . مع العلم أن الموسيقار محمد عبد الوهاب الراحل ، كان قد قدم من قبل تجارب في النيل من أنساق الموسيقى الغربية ومنها الجاز لتميزه الإبداعي التوليفي ، فقدم ( بلاش تبوسني في عينيه ) على إيقاع السلو روك وانتقاله إلى الشرقي في ( خلي الوداع من غير قبل ) وكذلك اللحن الراقص على إيقاع الـ ( السوينغ ) ( لي تشغل بالك ، مين يرحم حالك ) والكثير . وفي العراق قدم المطرب العراقي الرائد رضــا علي أغنية ( الردته سويته ، شعندك بعد كول ) وهي من مقام البيات وعلى نمط ألحان الجاز بالاستعانة بإيقاع ( الجه جه ) ، وقدمت المطربة العراقية الرائدة عفيفة إسكندر أغنية ( أنا ساكت وخلي الناس تحجيلك ) على الإيقاع الشرقي موشحة بذات القالب اللحني ، وفي الساحة العربية قدمت سميرة سعيد أغنيتها الناجحة ( أنا أحب الهوا والناس والـ….. ) وهي لحن جاز خالص ، وكانت ناجحة نظرا لقدرتها الصوتية في الإلتفاف والتبادل على إيقاع الروك ( القريب ) من إيقاع ( السوينغ ) . إن المتلقي العربي قد لا يألف هذه الشاعرية في الأداء ، غير أنها من ضرورات التلاقح الحضاري الموسيقى ، لأن الآلة الموسيقية ذات انتماء كوني ، ويتأتى للجميع العزف والأداء عليها ، كما قدم الأميركي ويلسون دافيد ( مقطوعة الجاز الذائعة الصيت : ليلة في تونس ) فكانت اليد الغربية تحاول جاهدة أن ترسم الصحراء العربية في عمل متقن من أعمال موسيقى الجاز الحديثة .

 بقلم : عباس الحسيني




أضف تعليقاً


(مطلوب)

(مطلوب)



*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture. Click on the picture to hear an audio file of the word.
Click to hear an audio file of the anti-spam word






الاقسام

بحث





  • للربط معنا

    • للربط معنا
  • مواقع صديقة

    • منتدى نغم


  • القائمة البريدية

    هل تريد متابعة اخبارنا
    اكتب ايميلك هنا


    الاشتراك
    الانسحاب



    الزوار


    يوجد الان 5 زائر
    الاجمالي 388339

    منوعات :

    مباشر

    mail